أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

6

العقد الفريد

التفت فقال : أيها المشفقون ، ارحموا من شملته الخطايا ، وغمرته البلايا ، ارحموا من قطع البلاد ، وخلف ما ملك من التلاد « 1 » ؛ ارحموا من وبخته الذنوب ، وظهرت منه العيوب ؛ ارحموا أسير ضرّ ، وطريد فقر . أسألكم بالذي أعملتكم الرغبة إليه ، إلا ما سألتم اللّه أن يهب لي عظيم جرمي . ثم وضع في حلقة الباب خدّه وقال : ضرع خدّي لك ، وذل مقامي بين يديك ، ثم أنشأ يقول : عظيم الذنب مكروب * من الخيرات مسلوب وقد أصبحت ذا فقر * وما عندك مطلوب العتبي قال : سمعت أعرابيا بعرفات عشية عرفة وهو يقول : اللهم إن هذه عشية من عشايا محبتك ، وأحد أيام زلفتك ، يأمل فيها من لجأ إليك من خلقك ، أن لا يشرك بك شيئا بكل لسان فيها يدعى ، ولكل خير فيها يرجى ؛ أتتك العصاة من البلد السحيق ، ودعتك العناة من شعب المضيق ؛ رجاء ما لا خلف له من وعدك ، ولا انقطاع له من جزيل عطائك ؛ أبدت لك وجوهها المصونة ، صابرة على وهج السمائم « 2 » ، وبرد الليالي ، ترجو بذلك رضوانك ؛ يا غفار ، يا مستزادا من نعمه ، ومستعاذا من نقمه ، ارحم صوت حزين دعاك بزفير وشهيق . ثم بسط كلتا يديه إلى السماء ، وقال : اللهم إن كنت بسطت يدي إليك راغبا ، فطالما كفيتنيه ؛ ساهيا بنعمتك التي تظاهرت عليّ عند الغفلة ، فلا أيأس منها عند التوبة : ولا تقطع رجائي منك لما قدمت من اقتراف ، وهب لي الإصلاح في الولد ، والأمن في البلد ، والعافية في الجسد ، إنك سميع مجيب . ودعا أعرابي فقال : يا عماد من لا عماد له ، ويا ركن من لا ركن له ، ويا مجير الضعفاء ، ويا منقذ الهلكى ، ويا عظيم الرجاء ، أنت الذي سبح لك سواد الليل وبياض النهار ، وضوء القمر وشعاع الشمس ، وحفيف الشجر ودوي الماء ؛ يا محسن ، يا مجمل ، يا مفضل ، لا أسألك الخير بخير هو عندك ، ولكني أسألك برحمتك ، فاجعل العافية لي

--> ( 1 ) التلاد : المال الأصلي القديم . ( 2 ) السمائم : جمع سموم ، وهي الريح الحارة .